فخر الدين الرازي
695
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
دفعا للحرج ، وفي القراءة الكثيرة حرج فلا يمكن اعتبارها . وهاهنا بحث آخر وهو ما روي عن ابن عباس أنه قال : سقط عن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قيام الليل وصارت تطوعا وبقي ذلك فرضا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . [ في قوله تعالى عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى إلى قوله وَآتُوا الزَّكاةَ ] ثم إنه تعالى ذكر الحكمة في هذا النسخ فقال تعالى : عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ . واعلم أن تقدير هذه الآية كأنه قيل : لم نسخ اللّه ذلك ؟ فقال : لأنه علم كذا وكذا والمعنى لتعذر القيام على المرضى والضاربين في الأرض للتجارة والمجاهدين في سبيل اللّه ، أما المرضى فإنهم لا يمكنهم الاشتغال بالتهجد لمرضهم ، وأما المسافرون والمجاهدون فهم مشتغلون في النهار بالأعمال الشاقة ، فلو لم يناموا في الليل لتوالت أسباب المشقة عليهم ، وهذا السبب ما كان موجودا في حق النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا [ المزمل : 7 ] فلا جرم ما صار وجوب التهجد منسوخا في حقه . ومن لطائف هذه الآية أنه تعالى سوى بين المجاهدين والمسافرين للكسب الحلال وعن ابن مسعود : « أيما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند اللّه من الشهداء » ثم أعاد مرة أخرى قوله : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وذلك للتأكيد ثم قال : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني المفروضة وَآتُوا الزَّكاةَ أي الواجبة وقيل : زكاة الفطر لأنه لم يكن بمكة زكاة وإنما وجبت بعد ذلك ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا . قوله تعالى : وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه يريد سائر الصدقات وثانيها : يريد أداء الزكاة على أحسن وجه ، وهو إخراجها من أطيب الأموال وأكثرها نفعا للفقراء ومراعاة النية وابتغاء وجه اللّه والصرف إلى المستحق وثالثها : يريد كل شيء يفعل من الخير مما يتعلق بالنفس والمال . [ قوله تعالى وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ إلى قوله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ] ثم ذكر تعالى الحكمة في إعطاء المال فقال : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال ابن عباس : تجدوه عند اللّه خيرا وأعظم أجرا من الذي تؤخره إلى وصيتك عند الموت ، وقال الزجاج : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند اللّه هو خيرا لكم من متاع الدنيا ، والقول ما قاله ابن عباس . المسألة الثانية : معنى الآية : وما تقدموا لأنفسكم من خير فإنكم تجدوه عند اللّه خيرا وأعظم أجرا إلا أنه قال : هو خيرا للتأكيد والمبالغة ، وقرأ أبو السمال هو خير وأعظم أجرا بالرفع على الابتداء والخبر ، ثم قال : وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم والتقصيرات الصادرة منكم خاصة في قيام الليل إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لذنوب المؤمنين رَحِيمٌ بهم ، وفي الغفور قولان : أحدهما : أنه غفور لجميع الذنوب ، وهو قول مقاتل والثاني : أنه غفور لمن يصر على الذنب ، احتج مقاتل على قوله بوجهين الأول : أن قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ يتناول التائب والمصر ، بدليل أنه يصح استثناء كل واحد منهما وحده عنه وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل والثاني : أن غفران التائب واجب عند الخصم ولا يحصل المدح بأداء الواجب ، والغرض من الآية تقرير المدح فوجب حمله على الكل تحقيقا للمدح ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه أجمعين .